جيرار جهامي ، سميح دغيم
3255
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
فقط بالعقل بل بحسّ أخلاقي إنساني ، وبين المعرفة كأداة في تجديد وجود الإنسانية نفسها ، وككل ، في مجتمع جديد ( كامل ) . إن شافتسبري ، مثلا ، أحد روّاد هذه الفلسفة في نهاية القرن السابع عشر كتب بأن « حس الإنسان الأخلاقي هو حسّ فطري متأصّل في الإنسان ، ولكن من الممكن تحسينه وتطويره عن طريق التعليم والممارسة والمعرفة ، وإن « العقل الشامل » الإلهي أقام انسجاما عامّا بين هذا الحس ، الذي يوجّه مشاعر الإنسان الاجتماعية ، وبين شعور بالمشاركة في الإنسانية ككل » . هذه سمة ترافق في الواقع ، المذاهب الإنسوية ( Humanisms ) بشكل عام ولا تقتصر على واحد دون الآخر . « إن المثال الذي كان يثير دائما دعاة المذاهب الإنسوية كانت باستمرار كومينوته عالمية تقوم في الحرية ، السّلام ، الأخوة ، وخير الجميع . . . إن مبدأ « محبة الإنسانية » نفسه يشير في ذاته إلى أن المجتمع الكامل يمتدّ إلى الإنسانية كلها ، وأن تحقيقه مطروح على صعيد عالمي ، ويرتبط بتحوّله إلى كومينوته عالمية . ( نديم البيطار ، المجتمع الجديد ، 57 ، 10 ) . - فلسفة التنوير كانت تتمحور على فكرتين أساسيتين : أولا ، فكرة التقدّم التي تقول إن حركة التاريخ تعني تحسينا مستمرّا لأوضاع الإنسان ، ومنها الأوضاع الأخلاقية نفسها ، وكشفا متزايدا عن طاقاته وتحقيقا أكثر تكاملا لها ؛ ولهذا فإن الكمال شيء يمكن تحقيقه في مجتمع جديد كامل أو هو شيء يزداد تحقّقا مع حركة التاريخ في المستقبل . وثانيا ، فكرة الطبيعة الإنسانية كطبيعة صالحة جيّدة من حيث التكوين ، وأن ما تكشف عنه من فساد يعود إلى تربية ومؤسّسات فاسدة ، وأن من الممكن بالتالي ، إن صحّت لها المؤسسات الجيّدة الملائمة ، أن تكشف عن كامل طاقاتها فتكون مادة صالحة لبناء هذا المجتمع الجديد . فلسفة التنوير ، مع الفلاسفة الذين مهّدوا لها في القرن السابع عشر ، والفلاسفة والمفكّرين الذين واصلوا عملها في القرن التاسع عشر ، كانت تبرز إذا إيمانها باكتمالية الإنسان ، وبظهور هذا المجتمع الجديد ، بنظريّتين مترابطتين ، نظرية الطبيعة الإنسانية كطبيعة صالحة وما يقترن بها من حقوق طبيعية ، ونظرية قانون التقدّم الذي يدفع نحو هذا المجتمع . ( نديم البيطار ، المجتمع الجديد ، 140 ، 12 ) . - التنوير هو فاعلية نقدية مستمرّة ، يتحرّر خلالها الفكر ، بصورة نسبية لا مطلقة ، من الرؤى الجوهرانية أو الأساليب الدغمائية أو التعلّقات الإسمانية والسحرية في التعاطي مع الأصول والهويات أو مع الأشياء والكلمات . من هنا يحتاج العقل التنويري ، حقا ، إلى « عودة نقدية » دائمة على نفسه ، تماما كما يقول محمد أركون . ولكن مسوّغ هذه العودة هو تراجع هذا العقل عن مكتسباته أو فقدانه لمصداقيته أو اكتشافه لعجزه وقصوره . ( علي حرب ، الاستلاب والارتداد ، 16 ، 7 ) . - التنوير ليس مجرّد نظرية نستوردها عن الغرب ، بل جزء من تاريخنا العقلاني ، الذي صنعه أفندية الاستنارة ومشايخها . ومن